top of page
  • Facebook
  • YouTube
  • Twitter
  • Instagram
  • LinkedIn
Crystal Salt

البطل.. يوميات صمود

البطل

كتب مازن رفعت:

لا أدري كم من الوقت مرّ وأنا ملتصق بالشاشة بعد أن انتهى تتر نهاية الحلقة الأخيرة من مسلسل "البطل"، الوجع الذي تركه في داخلي، لم تنجح بهجة العيد من ازالته- خاصة أن المشهد الأيقوني الأخير بين فرج ويوسف- يتكرر بين صفحات الفيس المختلفة، لا مهرب منه، الله يسامحك يا محمود نصر على هذا الأداء الجبار.

قصتنا مسرح أحداثها في قرية الغسانية بريف اللاذقية في سوريا، الفكرة مقتبسة من مسرحية "زيارة الملكة" للكاتب ممدوح عدوان، قام رامي كوسا بصياغتها كسيناريو بديع بحوارات أدبية جذابة تعلق في الذاكرة، بالتعاون مع لواء يازجي.

قصة المسلسل تتحدث عن يوميات صمود أهالي قرية الغسانية تحت نيران الحرب، وعن صمود المبادئ التي يجسدها مدير مدرسة القرية يوسف- بسام كوسا- أمام الانهيار الأخلاقي الذي فرضته الحرب كواقع معاش، والذي تجسد في شخصية فرج- محمود نصر- هاتان الشخصيتان هما قطبا القصة، واللتان تحركان بقية الأحداث.

الكاتب رامي كوسا لم يغفل أي تفاصيل إنسانية، من أزمة انقطاع الاتصالات والكهرباء والماء، والصراع من أجل شحن الهواتف المحمولة، مرورًا بأزمة المازوت وارتفاع الأسعار، إلى تهريب البضائع وفساد السلطة، كل هذه التفاصيل خلقت حميمية خاصة ليس فقط للمشاهد السوري، وإنما لكل المشاهدين العرب الذين يعيشون نفس هذه الظروف.

دقة الكتابة لم تقتصر على رسم شخصيات الأبطال فقط، بل اهتمت أيضاً بالشخصيات الفرعية، وأعطتها حقها من العناية، وككاتب أعرف مقدار الانهاك الذي اكتنف كاتب السيناريو ليخرج بمسلسلٍ بهذا الثقل، إنها كتابة معجونة بالوجع والحب معاً، لتخرج قصة صادقة تأسر القلوب والوجدان.

كتابة معجونة بالوجع والحب معاً

دائماً ما تشدني القصة في أي عمل درامي كان أو سينمائي بحكم مهنتي، لكن ما حصل في هذا المسلسل هو العكس تماماً، شدتني الصورة، التي أراها من وجهة نظري هي البطل الثاني في هذه الملحمة الدرامية، فكل لقطة من لقطات المسلسل هي لوحة فنية بحد ذاتها، تجبرك على التوقف أمامها والتأمل فيها، حتى خُيل لي أن المصور كان يستخدم ريشةً وألواناً بدلًا من الكاميرا والإضاءة.

ما عابها _برأيي فقط_ هو استخدام بعض زوايا التصوير التي كانت مبالغاً فيها أحياناً، ولا تتفق مع حالة المشهد، وكأن المصور أحب أن يستعرض عضلاته وفقد الإحساس للحظة، فعلى سبيل المثال، كثير من المشاهد الثنائية التي يدور فيها حوار قوي، كانت تؤخذ من زوايا سفلية- بكاميرا مان- وأحياناً لقطات كلوز أب على الوجوه بحيث تجعلها محدبة، الأمر الذي أدى إلى تشتيت الإحساس بالمشهد في أوقات معينة، وضياع بوصلة المشاعر.

البطل

وكأننا نشاهد عالماً سحرياً من عوالم مايازاكي

مخرج العمل الليث حجو له أعمال كثيرة تشهد له، ولكنه في هذا العمل أتى برؤيا جديدة، مختلفة عن كل ما سبقته من أعمال، فنحن هنا أمام عملًا درامي تراجيدي، أساسه الحرب، لكن الليث حجو بذكاء استخدم اضاءةً وألواناً بارزةً، سحر أعيننا بها وجعلنا وكأننا نشاهد عالماً سحرياً من عوالم مايازاكي، استطاع بها أن يخفف وطأة ومرارة الموضوع على نفوسنا، وطول فترة المسلسل ونحن نرى منازل حجرية قديمة، بُنيت بشكل بدائي، كمنزل مروان، والخرابة التي يعيش فيها فرج ووالدته، أو الخرابة التي اتخذتها سلافة مسكناً لها، لكن بعين الليث حجو ستراها آية في الجمال، بل أنك حتماً ستتمنى زيارة هذه الأماكن، ولن استبعد إذا صارت مزاراً لمحبي المسلسل.

حرص حجو أيضاً على أخذ المشاهد الداخلية بجانب الشبابيك ليظهر سطوع الشمس من خلالها؛ حتى أيقنت أنها شخصية رئيسية ضمن المسلسل، وكنت أتساءل لماذا التركيز عليها؛ حتى أن بعض المشاهد كانت وجوه الممثلين تغرق في الظلمة أمامها، ربما أراد الليث حجو أن يرتكز على فكرة التمسك بالحياة رغم الموت، وأضيف هنا أن مشاهد سطوع الشمس كانت ساحرة؛ دعم كل هذا الاكسسوارات التي تملأ كل كادر بأدق التفاصيل.

لم يغفل الليث حجو الرمزيات في عمله، كمشهد ظهور يوسف على الكرسي عاجزاً، وهو يتوسط صورتي والده وجده، وكأنها سقوط الحاضر أمام أمجاد الماضي، ومشهد ظهور يوسف غارقاً تحت درع تكريمه، ايحاء برخص الإنسانية أمام المادة.

أداء تمثيلي متناغم في الوجع

أما التمثيل- فماذا أقول فيه – يكفي اسم بسام كوسا- الذي أرى أن كل الألقاب ظلم في حقه- هو أكبر من أي لقب ممكن أن يلتصق به.

محمود مصر- كان مجرم تمثيل- جعلنا نتخبط في مشاعرنا بين حب وشفقة، وكره، وقد أبكاني حقاً في آخر مشاهد المسلسل، ولازالت إلى الآن تتردد نبرته في أذني، ما استوقفني في اداءه؛ ليس قدرته المذهلة في التعبير الجسدي، وإنما في نبرة نطقه لكلمة- أستاذ- فقد كان ينطقها دائماً كصبيٍ صغير، وكأن الزمن وقف به لحظة عطف يوسف عليه عندما كان صبياً، لهذا يتحول فرج إلى طفل صغير أمام يوسف فقط، بهذا الأداء رسخ محمود نصر شخصية فرج في ذاكرتنا إلى الابد.

نور علي حلّقت بشخصية مريم إلى آفاق بعيدة، ولا يمكن أن ننسى عيون سلافة - نانسي خوري-التي حكت لنا كل مآسي الحرب بعينيها.

ولابد لنا أن نشكر المخرج لاختياره الممثلة هيما إسماعيل في دور رانيا، التي جعلتنا كلنا نستنكر تجاهلها من قِبل صناع الدراما. وسام رضا الذي لعب شخصية مجد ابن الأستاذ يوسف، ما أن أتذكر اداءه في مسلسل- ولاد بديعة- حتى ينتابني الشك إن كان هو نفس الممثل.

البطل

بوشناق وشاعرية الأكورديون في ألحانها

وكعاشقٍ للموسيقى، فمن المستحيل لي أن أمر على هذا المسلسل دون أن أتوقف أمام موسيقى شارته- البداية والنهاية- وهي من تأليف الأردنية سعاد بوشناق، التي قدمت مقطوعة موسيقية أوركسترالية في غاية الروعة والشاعرية، ذكرتني بألحان اليونانية الراحلة إليني كاريندرو، وربما آلة الأكورديون البارزة في موسيقى بوشناق- آلتها الرسمية في أغلب أعمالها- هي ما ربطت ذاكرتي بكاريندرو التي هي الأخرى علامة في أغلب أعمالها.

لكن ربطي هنا ليس في استخدام هذه الآلة- المهجورة من موسيقانا في العشر السنوات الأخيرة- ضمن الأوكيسترا؛ وإنما في الروح الوجدانية الموجودة في لحن هذه الآلة، هذه الروح لم أسمعها إلا في أوكرديون كاريندرو؛ وحدها بوشناق من أجادتها؛ كما أجادت خلق حوار في الموسيقى التصويرية بأسلوب بديع وشاعري، ولا أنسى استخدامها لصوت شبيه بالأجراس في خلق حالة التوتر؛ هذه اللغة الموسيقية لم أسمع نظيراً لها إلا في الاعمال العالمية.

الحلقة الأخيرة لم تكن "بطل"

الحلقة الأخيرة  كانت نهايتها متوقعة ولكن ليست المشكلة  في طريقة إنهاء القصة وإنما في الحلقة ككل؛ التي للأسف ظهرت ضعيفة، بل هي أضعف حلقات المسلسل، ربما لظروف خارجة عن إرادة المخرج والمؤلف -لا سيما أن المشهد الأخير قد تم تغييره مع سقوط نظام بشار- لكن كانت هناك هفوات لم يتم تمتينها في حلقات مبكرة.

فعلى سبيل المثال، ذهاب أم فرج لسؤال رانيا عن سبب زواج مريم من فرج لم يكن منطقياً، فعندما حاولت مريم اجهاض جنينها، أسعفها فرج ووالدته، وبقت الأخيرة معها داخل المستشفى، بينما بقي فرج في الخارج، فكيف خمن أن مريم حامل، بينما والدته لم تخمن ذلك؟!

طلب راما للطلاق من فرج بحجة أنه قد تغير، أيضاً لم يكن منطقياً، لأنه فرج قد بدأ بالتغير من وقت مبكر، ولم يشكل هذا مشكلة لها، لكنه عندما تزوج من مريم طالبت راما بالطلاق، فالأحرى أن تكون هذه حجتها.

في المشهد الأخير، نشاهد مجد يقتل فرج بمسدس، فمن أين ظهر هذا المسدس؟! لم يكن هناك تمهيد لظهور هذا المسدس في حلقات مبكرة!

ظهور يوسف المفاجئ فقط ليتحمّل التهمة عن ولده بدا ضعيفاً، وبعد موت فرج نكتشف أن يوسف قد كتب رسالة حميمية لفرج يخبره أنه سامحه، ويوصيه بمريم وابنها، متى كانت هذه الرسالة؟!

هل قرأها فرج كبقية أفراد الأسرة الذين تسلموا رسائلهم؟! لا أعتقد! فلو قرأ فرج هذه الرسالة لما تصرف بهذه العدوانية مع مريم، ولما انتهى به الأمر مقتولًا؛ لأننا ندرك العلاقة الوطيدة بين فرج ويوسف، وندرك أن فرج منذ بداية تغيره؛ وهو ينتظر كلمة "رضا" من يوسف كي يكبح جماح شره، فأين كانت هذه الرسالة؟!

البطل

"البطل" مسلسل معايشة وتأمل

"البطل" مسلسل ليس لمتابعة أحداث مشوقة، بل هو مسلسل معايشة وتأمل، هو رحلة إنسانية تخرج من كل حلقة منه، بعبرة، بتجربة، اكتشاف يجعلنا في وقفة جادة مع النفس، وتأمل ما تبقى من إنسانيتنا التي هدمتها الحرب.

Comments


alt-logolar-02-1.png

© 2025 by filmmuseum

bottom of page